أم عبد الرحمن محمد يوسف
عزيزتي المؤمنة، إن بغيتي وبغية كل مسلم في هذا الوقت الذي نعيشه، أن ينبت من تربة أمتنا أشخاص متفوقون أصحاب قيم، يعيدون لأمتنا مجدها التليد، وتاريخها المجيد.
وهذا لن يكون إلا على يد مجموعة من البشر، يحققون معادلة الريادة، فيجمعون بين الديانة والتفوق، بين الأمانة والنجاح، بين الإيمان والعلم؛ فتتحقق فيهم سُنة الله تعالى في كونه، وينجلي طرف المعادلة الغائب؛ فتكون العزة في الدنيا والآخرة، والنصر في الحياة وفي الجنة بإذن الله تعالى.
ومن أجل أن تعرفيهم أكثر، فها أنا أحاول أن أَسِمهم لكِ؛ لعل نفسكِ تتوق للالتحاق بركبهم، (هم فئة من البشر موجودون في كل زمان ومكان، يرفضون العيش على هامش الحياة، أو كما تعيش السائمة، إنهم يحولون الخسارة إلى ربح، والحزن إلى فرح، والمحنة إلى منحة، إنهم صناع الحياة، والسبب الرئيسي في مسيرتها ونموها وازدهارها، إنهم يعملون لحاضرهم ولمستقبلهم، ولما بعد مغادرتهم هذا الكوكب، إن أجسادهم تغادرنان ولكن أعمالهم تبقى شامخة تذكرنا بعطائهم) [رسائل سريعة إلى الشباب والشابات، عبد الحميد البلالي، ص(66)]، فإن انتصر على أيديهم الدين فهو بغيتهم، وإن تأخر عنهم فالبذل غايتهم.
من أجل ذلك؛ كانت هذه المحاولة مني، في فترة الدراسة والامتحانات، أن أبين لكِ عزيزتي طريق التفوق والنجاح، باذلة في ذلك مجهودي كي أصف لكِ الطريق الصحيح، فإليكِ هذه النصائح وهذا السبل توصلكِ بإذن الله إلى التفوق والنبوغ.
القاعدة الأولى ـ ما حال مكان مذاكرتكِ؟
سؤال غريب هو، أليس كذلك؟! ولكن لو تعلمين عزيزتي أن من تقوم بترتيب وتنظيم مكان مذاكرتها ستجدينها في الحقيقة مرتبة في كل شيء، في تقسيم مواد المذاكرة، وفي تقسيم يومها وفي كل شيء، فترتيب وتنظيم البيئة المحيطة بالشخص دليل على ترتيب ذهنه وصفائه، والعكس صحيح.
فاحرصي على تنظيم وترتيب المكان قبل وبعد المذاكرة، فـ(جهزي كل شيء قبل أن تبدئي المذاكرة: مثل الكتب، والأقلام، والآلة الحاسبة، والورق؛ فالقيام لإحضار الأشياء يقطع تسلسل أفكارك) [قوائم الحياة للمراهقين, باملا أسبلاند]، وقومي باستغلال (الدقائق الأخيرة في إعادة ترتيب المكان، والاستعداد لجلسة المذاكرة التالية، وهو أفضل توقيت للتخطيط مقدمًا لما ستفعلينه فيما بعد) [الاتجاهات الحديثة في دراسة مهارات الاستذكار، د. محمد عبد السميع رزق، ص (4)].
وأيضًا أحسني اختيار مكان المذاكرة؛ والأفضل أن تذاكري في نفس المكان كل يوم (ففي هذا المكان يتكون لكِ رابط المذاكرة، وتتعودين على الجدية في العمل، ولذا حافظي عليه، ولا تذاكري على الفراش وإلا سيغلبك النعاس، ولتجلسي على مكتب أو منضدة، واحرصي على الإضاءة الجيدة في مكان المذاكرة، وابتعدي عن مصادر التشويش) [قوائم الحياة للمراهقين، باملا أسبلاند].
القاعدة الثانية ـ الاستمتاع بالعمل:
كلٌّ واحدة منا تذاكر وتدرس، ولكن شتان شتان ما بين من تذاكر كنوع من تأدية الواجب، وإلقاء الحِمل، ومن تحب العلم والمذاكرة؛ فإن حب العمل يولد دافعية شديدة له، والدافعية هي أم الإنجاز؛ فـ(شرط لحدوث عملية التعلم أن يكون هناك دافع للفرد نحو بذل الجهد والطاقة لتعلم المواقف الجديدة أو حل المشكلات) [الأمن النفسي وعلاقته بالتحصيل الدراسي، عبد الله السهلي، ص(53)].
لذا؛ من أجل أن تجعلي مذاكرتك ودراستك أمرًا محبوبًا أنصحك عزيزتي أن تبدأي بالأسهل والأكثر متعة في البداية، (وهذا قد يخالف قاعدة مزعومة بأن تؤدي الأصعب والأقل متعة أولًا، فأداء الأسهل أولًا سيهيئكِ للمذاكرة، وستشعرين أنكِ أنجزت شيئًا، مما يحفزك على الدخول فيما هو أصعب منه) [قوائم الحياة للمراهقين، باملا أسبلاند، بتصرف].
وكما أن للبداية أثرًا في حب الدراسة، فكذلك النهاية، فالعقل دومًا يبني على آخر تجربة له، فلو كنتِ في آخر مرة ذاكرتِ فيها قد حققتِ إنجازًا كبيرًا واستوعبتِ الدرس جيدًا فهذا سيشكل لك حافزًا في المرة القادمة لاستيعاب المواد وفهمها، فـ(لاشك أن الشعور الذي ستتركين به المذاكرة هو الذي سيعلق بذهنكِ، وحينما تفكرين في المعاودة مرة أخرى سيندفع إليكِ ذلك الشعور، فعليكِ إذًا كما أحسنت الابتداء أن تحسني الانتهاء، وذلك بطريقة تساعدكِ على استكمال المذاكرة فيما بعد) [دليل اللياقة الذهنية لتطوير مهارتك العقلية ... إدارة العقل، جيليان بوتلر وتوني هوب، بتصرف].
القاعدة الثالثة ـ الطريقة الكلية:
وأقصد بها عزيزتي، أن تقومي بقراءة فهرس الكتاب أولًا قبل البدء في مذاكرة أجزائه، وأن تقومي بقراءة إجمالية سريعة للدرس أو للمحاضرة قبل مذاكرة تفاصيلها، فيجب (أن يأخذ المتعلم أولًا فكرة عامة عن الموضوع المراد دراسته ككل، ثم بعد ذلك يبدأ في تحليله إلى جزئياته ومكوناته) [الأمن النفسي وعلاقته بالتحصيل الدراسي، عبد الله السهلي، ص(54)]، لأن المخ إن جمع الصورة الكلية ثم دخل بعد ذلك في التفاصيل أحسن الفهم والحفظ، وأجاد الربط والجمع بين جزئيات الكتاب الواحد أو المحاضرة الواحدة.
فقراءة الدرس قراءة إجمالية سرية؛ تفيد كثيرًا في سرعة فهم الموضوع عند معاودة قراءته تفصيلًا ودراسته بإمعان، كما تفيد في سرعة الحفظ والقدرة على التركيز والتغلب على السرحان) [د.حاتم محمد آدم، الصحة النفسية للمراهقين، ص (138)].
القاعدة الرابعة ـ قانون التكرار:
وهذه قاعدة أصيلة في الدراسة والفهم، سواء فيما يتعلق بالمواد التي تحتاج إلى الفهم أو على سبيل الخصوص المواد التي تتطلب الكثير من الحفظ، فدومًا التكرار يعمق الفكرة، ويبسط الفهم، ويبين المستغلق.
فلا تكتفي بمذاكرة المادة مرة واحدة، بل اتركي لنفسكِ متسعًا من الوقت لمراجعتها مرة وثانية، حتى ولو كانت هذه المراجعة عبارة عن قراءة فقط، أو حل نماذج من الامتحانات، فهذا أمر قد اتفق على أهميته علماء النفس، فإنه (لحدوث التعلم؛ لابد من التكرار أو الممارسة أو المران؛ فلا يستطيع الطالب حفظ أي شيء دون تكرار ذلك مرات حتى يتم إجادة التعلم وإتقانه) [الأمن النفسي وعلاقته بالتحصيل الدراسي، عبد الله السهلي، ص(53)].
القاعدة الخامسة ـ روحوا عن القلوب:
مقولة رائعة صاغها عقل حكيم أريب، حينما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ناصحًا المسلمين: (روحوا القلوب ساعة فإنها إذا أُكرهت عميت) [إحياء علوم الدين، الغزالي، (1/385)].
(ويُقصد بذلك أن يتم عملية التعلم على فترات زمنية يتخللها فترات من الراحة، فالقصيدة التي يلزم لحفظها تكرارها عشر ساعات يكون تعلمها أسهل وأكثر ثباتًا أو رسوخًا إذا قُسمت على فترات متعددة) [الأمن النفسي وعلاقته بالتحصيل الدراسي، عبد الله السهلي، ص(53-54)].
فقسمي يومكِ ووزعي أوقات الراحة، ولكن إياكِ ثم إياكِ أن تجعلي راحتك بحسب التعب، فلا تجعلي أوقات الراحة تلقائية، بل اجعليها مكافئة لكِ بعد انتهاء درس أو محاضرة مثلًا، فبعضنا حينما يحس بالتعب أو بالجوع خلال مذاكرته يقوم ويقول هذه راحتي، هذا خطأ، إنما الصواب أنكِ إذا شعرتِ بالجوع أو بالتعب؛ فقومي بأخذ العهد على نفسكِ إن انتهيتِ من ذلك الدرس فستكافئينها بالراحة أو الشراب والطعام وما شابه ذلك.
بمثل هذا الكلام نصح أهل الخبرة فقالوا: (كافئي نفسكِ فورًا عن كل فترة استذكار مثمرة، لأن مفتاح النجاح في العمل هو أن تجعلي المكافآت بسيطة وفورية، بعد العمل مباشرة وليس قبله) [الاتجاهات الحديثة في دراسة مهارات الاستذكار، د. محمد عبد السميع رزق، ص (4)].
تفصيل بعد إجمال:
بعد هذه القواعد التي بينتها لكِ عزيزتي، أسوق إليك مجموعة من النصائح العملية البسيطة، أختمها بها حديثي إليكِ، لعلها تكون خير عون لكِ على المذاكرة والتحصيل:
أولًا: الدعاء لله سبحانه وتعالى بأن يفتح عليكِ، وقراءة شيء من القرآن، أو الاستماع إليه، لينشرح الصدر قبل بداية الدراسة.
ثانيًا: قراءة سورة الفاتحة، ثم الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
ثالثًا: عدم الاستمرار أكثر من ساعة متواصلة، تأخذين بعدها راحة لمدة عشر دقائق، تقومين فيها ببعض الحركات لتنشيط الأطراف، وذلك لتحريك الدم.
رابعًا: إذا أحسستِ ببعض النعاس، وكان الوقت هو وقت النوم؛ فاذهبي وخذ حقكِ من النوم، وإذا لم يكن وقت النوم، فاذهبي فتوضئي لتنشطي، وغيري مكان دراستكِ.
خامسًا: ضعي خطوطًا حمراء وزرقاء وخضراء تحت العبارة المهمة، ثم ضعيها في كروت، ملخصة بذلك أهم الأمور في الفصل، وحاولي أن تقومي بذلك في جميع الفصول، لترجعي إلى هذه الملخصات أيام المراجعة الثانية، أو قبل يوم الامتحان.
سادسًا: اذهبي لمن هو في مرحلتكِ، واتفقي معه بعد دراسة أي فصل أو الكتاب كله على أن يضع لكِ أسئلة، وتضعي أنتِ له أسئلة، ويقوم كل منكما باختبار الآخر إما شفويًّا أو تحريريًّا.
سابعًا: ادرسي أسئلة الاختبارات في الأعوام السابقة دراسة متأنية، وركزي على ما ركز عليه الأستاذ أثناء شرحه للمادة.
ثامنًا: لا تستسلمي لوساوس الشيطان بأنكِ نسيتِ كل ما درستِ، فإن المعلومات جميعها مخزنة بالذاكرة.
تاسعًا: في ليلة الامتحان اهتمي بالنوم مبكرًا لتأخذي كفايتك من النوم.
عاشرًا: عندما تستلمين ورقة الاختبار اقرأي الأسئلة كلها مرتين، ولا تعتمدي على طريقة قراءة كل سؤال والإجابة عنه، وابدئي بإجابة الأسهل، وإذا لم تعرفي إجابة أحد الأسئلة فاتركيه حالًا ولا تفكري فيه، وابدئي بغيره حفاظًا على الوقت، [مستفاد من: رسائل سريعة إلى الشباب والشابات، عبد الحميد البلالي، ص(56-60)].
أهم المراجع:
1- الأمن النفسي وعلاقته بالتحصيل الدراسي، عبد الله السهلي.
2- الصحة النفسية للمراهقين، د. حاتم محمد آدم.
3- رسائل سريعة إلى الشباب والشابات، عبد الحميد البلالي.
4- إحياء علوم الدين، الغزالي.
5- الاتجاهات الحديثة في دراسة مهارات الاستذكار، د.محمد عبد السميع رزق.
6- قوائم الحياة للمراهقين، باملا أسبلاند.
7- دليل اللياقة الذهنية لتطوير مهاراتك العقلية ... إدارة العقل، جيليان بوتلر وتوني هوب.
مفكرة الإسلام

0 التعليقات:
إرسال تعليق